بن عيسى باطاهر

101

المقابلة في القرآن الكريم

وقد جاء القرآن الكريم ليقول هذا حرام فاجتنبوه ، وهذا حلال فأتوه ، لأن الحرام كلّه خبيث ، ولكن بعضه أخبث من بعض ، والحلال كلّه طيب ولكن بعضه أطيب من بعض ، وأصفى من بعض « 1 » . وحق التشريع ، وحق التحليل والتحريم في المنهج القرآني هو للّه وحده وهو من أخص خصائصه وصفاته ، وهو حق لا يملكه البشر لعجزهم عن معرفة حاجات النفس الإنسانية ، ومقتضيات الضرر والنفع ، ولهذا كلّه حدّد القرآن منذ الوهلة الأولى « السلطة التي تملك التحليل والتحريم فانتزعها من أيدي الناس أيّا كانت مكانتهم ودرجتهم في دين اللّه أو دنيا الناس ، وجعلها من حق اللّه تبارك وتعالى وحده ، ومن حلّل حلالا أو حرّم حراما من عباد اللّه فقد تجاوز حدّه واعتدى على حق اللّه سبحانه وتعالى في التشريع للخلق ، ومن رضي بعملهم هذا واتبعه فقد جعلهم شركاء للّه ، واعتبر اتباعه هذا شركا » « 2 » قال تعالى : أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [ الشورى : 21 ] . وقد تحدث القرآن عن أولئك الذين سلبوه هذا الحق منكرا عليهم ذلك أشدّ الإنكار ، وتوعّدهم أشدّ الوعيد ، قال تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [ يونس : 59 ] ، وقال تعالى : وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ [ النحل : 116 ] . وقد أنكر القرآن على أهل الكتاب من اليهود والنصارى فعلهم الذي جعلوا بمقتضاه حقّ التشريع والتحليل والتحريم في أيدي الأحبار والرهبان - كما سيأتي بيان ذلك في الدراسة التطبيقية - ، ومن هنا فقد حدّدت هذه الآيات

--> ( 1 ) ينظر الغزالي - الحلال والحرام - ص 23 . ( 2 ) أحمد محمد عساف - الحلال والحرام في الإسلام - ط 2 - دار إحياء العلوم : بيروت 1982 م - ص 11 .